|
واحة الفكر
والثقافة
>>
آيات قرآنية :
تابع التربية الروحية في الإسلام
المصائب
قال الله تعالى :(وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) "22-23 الحديد"
إن اعتقاد المؤمن أنه يتحرك ضمن دائرة الإدارة الإلهية ,يعطيه شعوراً بالاطمئنان أن أمور الحياة مرتبة من قبل ربِّ العالمين ,ومقدرة من لدن عليم حكيم ,منذ خلق الأكوان وأراد لهذه الخليقة أن تكون .
وهذا الشعور بالإحاطة الإلهية يعطيه التوازن في عواطفه وردود أفعاله ,فتكون معتدلة لا تطرُّف فيها ,سواء في حالات الحزن أو الفرح ,بحيث يمضي مع قدرة الله في طواعية ورضا .
ومن للإنسان يحمل عنه همومه ومصائبه وآلامه غير إيمانه القوي لحضرة الله؟ فكثير من الناس يصابون بانهيارات عصبيَّة ,أو أزمات قلبية بمجرَّد تعرُّضهم لنكبة تقضُّ مضجعهم .
أمَّا العبودية الحقيقة لله فهي تعين المرء على الاستسلام الكامل لإرادة الحضرة الإلهية ,فما نحن سوى مؤتمنين من قبله عز وجل على أنفسنا ومالنا وأهلنا ,ولنا حقُّ الإرادة دون حق الملكية المطلقة ,لأنَّنا وما نملك ملك للمالك الأحد الفرد الصمد.
وهذا الوجود هو من الدقَّة والتنظيم بحيث لا يقع فيه حادث إلا وهو مقدَّر منذ تصميمه ,محسوب حسابه في كيانه ,لا مكان فيه للمصادفة ,فقبل خلق الأرض وخلق الأنفس ,كان في علم الله الكامل الدقيق كلَّ حدث سيظهر للخلائق في وقته المعيَّن ,وفي علم الله لا شيء ماض ,ولا شيء حاضر ,ولا شيء قادم ,فتلك الفواصل الزمنية إنما هي معالم لنا –نحن أبناء الفناء-نرى بها حدود الأشياء ,إذ لا ندرك الأشياء بغير حدود تميِّزها ,حدود من الزمان ,وحدود من المكان .
وكل حادث من خير أو شر يقع في الأرض هو في ذلك الكتاب الأزلي ,من قبل ظهور الأرض في صورتها التي ظهرت بها (إن ذلك على الله يسير) ,ومن شأن معرفة هذه الحقيقة في النفس البشرية ,أن تسكب فيها الطمأنينة عند استقبال الأحداث ,خيرها وشرها ,تلك الطمأنينة بالله تبارك وتعالى ,التي يبحث عنها ملايين البشر المنكوبين ,لأن فيها تهدئة للعواطف ,فلا فرح طاغٍ ,ولا حزن مدمِّر ,بل عواطف متوازنة ,متماسكة ,تضع المرء في حجمه الحقيقي دون مباهاة ولا تفاخر ,فالذي أعطى قادر على أن يأخذ ,والذي وهب قادر على أن يمنع ,وكلُّنا لا حول ولا قوة إلا بالله العليُّ العظيم .
قال عكرمة رضي الله عنه :(ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ,ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً)وهذا الاعتدال الذي يتمتع به المسلم الحقيقي .
إن هذه العقيدة التي تملأ نفس المؤمن ,هي من أعظم العلاجات لآثار الحوادث المؤلمة التي تصادف الإنسان في حياته ,وهي في الوقت نفسه ,تعَدُّ من أشد العوامل الإيجابية في النظر إلى المستقبل ,حيث يقبل الإنسان ,على عمله ومسؤوليته وهو واثق بأن عمله لن يذهب سدى ,فإن هو نجح فقد حقق مراده ,وقطف ثمرات سعيه ,وشكر حضرة المنعم ,فكان خيراً له ,وإن حال بينه وبين هدفه عارض سلبي ,من مرض أو خسارة أو ما شابه ذلك ,علم أن ذلك مقدر كائن ولا يستطيع دفعه مهما بذل ,وليس له ملاذ إلا الصبر فكان الصبر خيراً له ,لأن من ثمار الصبر الأجر والمثوبة عند الله تعالى من جهة ,والحفاظ على الأعصاب والصحة من جهة أخرى.
وهكذا يقبل المؤمن وكله ثقة بالله عز وجل على المستقبل ,بكل طاقاته وملكاته ,ممَّا يهيئ له الفرصة للفوز والنجاح وتحقيق الأهداف ,بعيداً عن التقاعس واليأس والقنوط .
والحمد لله ربِّ العالمين
غازي صبحي آق بيق /أبو غانم
|