يقولون أنكم تدعون لحياة زهد رهيبة فقد تحدثتم عن التربية في المزابل من أجل أن يصل الإنسان إلى أن يعذب نفسه فيزهد فما رأيكم بهذا الكلام ؟ ، : يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها ما نفرت عن قوم فعادت إليهم ،
وهذه مسالك تربية راقية ،وإذا كان فساد الطبع عند البعض حوّلها إلى شيء منبوذ غير مقبول ، فهذا يؤكد حاجتنا إليها إذن ، وإذا وجد من ينتمي إلى ميدان خدمة للدين أو الدعوة و يستهجن من مثل هذه المعاني فهذا يؤكد الحاجة إليها ، و الله أعلم .
ـ كيف نستطيع الموازنة بين حالة الزهد هذه وبين المجتمع المادي الذي نعيش به ؟
ـ للتصحيح : الدعوة ليست إلى صورة ، الزهد إلى حالة الزهد كما سألتِ ، حالة الزهد هي حالة قوة المجتمعات المحتاجة إليها ، و الأمراض الطاغية على مجتمعات اليوم تؤكد مثل هذا الكلام : ضياع الأسرة ، التنافس على المظاهر الدنيوية ، انتشار الأخلاق السيئة ، فقد الأمانة ، فقد حسن المعاملة ، ضياع الرحمة من قلوب الناس ....كلها تؤكد الحاجة إلى ذلك .
فلا أرى أنّ هناك صعوبة في التوفيق ، بل العكس ، كلما اشتدت ضراوة المادة التي نراها اليوم و نسمعها و نحسّها كلما كان ذلك مستدعياً للحاجة إلى مثل هذا الأمر .
و لهذا ترين أنّ غالب من يسلم في الدول التي يراها العالم أنّها متقدمة مثل : أوروبا و دول الشرق المتقدمة مثل اليابان و غيرها ، إذا أسلموا تجد إسلامهم يميل إلى الروحانيات , يميل إلى مسالك تطهير القلوب ، و هذا يؤكد أنّ المادية كلما انتشرت كلما نشأت الحاجة إلى هذا العلم .
و لهذا نحتاج إلى التوفيق بين الأمرين, و حتى التركيز على الزهديات في الرعيل الأول أيام الحسن البصري و من في طبقته و من جاء بعدهم كان من أسبابه انتشار المادية لما حصلت الفتوحات الإسلامية و أقبلت الدنيا على المسلمين و جاءت الأموال و بدأت الناس تفتن بالمال برزت الزهديات و الاعتناء بها ،و لذلك كل مجتمع تغلب فيه المادة فالناس فيه بحاجة إلى هذه المعاني .
ـ
المادية صعبة قليلاً لدرجة أن أغلب الناس تعمل من الصباح إلى المساء فكيف ندعوه لمثل هذه الأمور ؟
ـ بلا شك أنّ هذا علاج ممّا يشكو منه الناس ، صاحب ضغط الحياة و المعيشة ، و الظرف المادي و الكفاح إن وجد من يسمعه لأنّه في ذلك إن صدق و استقام و صحح نيّته و معاملته أصبح مجاهداً في سبيل الله ، و إن أمسى و هو كالاً من عمل يده فقد أمسى مغفوراً له ، فهو على باب من أبواب التقرّب إلى الله ، نازل قلبه من أنوار الرضا و الطمأنينة ، ممّا يشعره بحاجة أكبر إلى مثل هذا الخطاب.
أما من حيث الوقت ،فالوقت نعم موجود ، اليوم الناس في عملهم يقضون أوقات كثيرة في الشارع إما في السيارة أو في الباص ، فنشر مثل هذه المعاني عبر الأقراص أو الأشرطة التي يمكن أن تسمع في الطرقات ، في أثناء الإجازات ، في بيئة العمل نفسها بتركيز على الذين يشرفون على عمل الناس الكادحة التي تكدح و تتعب ، و تأكيد على إيجاد هذا المعنى في قلوب من يشرف عليهم ، سيترجم بعد ذلك معاملة ترغّب الناس بهذا الأمر .
و الإنسان على كل حال بحاجة إلى وقت يعي فيه أمر دينه ، ففي الإجازات التي تحصل من الأعمال الأسبوعية و غيرها لو رغب الناس بنصف ساعة أو ساعة ، و الحمد لله أرى هذا الأمر في سوريا موجوداً ، الناس يحرصون على حضور المجالس في المساجد ، تحرص على الاستماع على البرامج في الإذاعة و غيرها ، مثلاً برنامج الدكتور راتب النابلسي على الإذاعة ، فكل شيء يتوقّف في وقت برنامج الدكتور راتب ، فله قابلية كبيرة مع شدة انشغال الناس ، فلا نتوهّم أنّ شدة انشغال الناس تعني استحالة أو صعوبة إيصال الصوت إلى الناس .
فقط علينا أن نصدق مع الله عزوجل في حمل هذا الهمّ ، و الرحمة بالناس و التلطف بالناس عند مخاطبتهم ، و ألا نحمل الناس فوق ثقل ما يعانونه في حياتهم ، فالناس بحاجة إلى أن تفتح لهم أبواب الرجاء وحسن الظن بالله و الأمل بالله أمام ما هم فيه من كدح و تعب ، لا التشديد عليهم بالخطاب .
ـ خروج المرأة للعمل هل ينافي حالة الزهد ؟
ـ العبرة ليست في عمل الرجل و لا في عمل المرأة , العبرة في النيّة و المقصد من وراءه في مسلك الحياة ، فإن خرجت تعمل لتعين زوجها ، عملاً يتناسب معها كامرأة و تحافظ به على دينها . هي في ذلك في كفاح مع زوجها لتربية الأبناء فالمهمّ ألا يكون مفهوم الحاجة مضطرباً .
فالمشكلة عندنا الآن في مفهوم الحاجة . كان الناس في السابق مفهوم الحاجة و الضرورة و ظرف الحياة يقتصر على اللباس و الطعام و المسكن ونفقة تعليم الأبناء .
اليوم ، الكثير من الكماليّات في حياة البشر تحوّلت إلى ضروريات بسبب الوهم الذي في الذهن ، ممّا جعل الموجود لا يكفي حتّى لو كان في الأصل يمكن أن يكفي. و هنا المسألة التي لها صلة بالقناعة و الزهد و الرضا , و أن نربّي أنفسنا على كفّ و غضّ أبصارنا عن زهرة الدنيا التي في أيدي غيرنا ، و ألاتنظر المرأة و هي تلبس ثوبها النظيف الساتر لعورتها الذي فيه شيء من الحسن إلى ثوب زميلتها التي رزقها الله أكثر منها مالاً فتقارن نفسها بها وتحاول أن تلبس نفس ثوبها ، و كذلك الأولاد ينشؤون على ذلك ، و كذلك الرجل ، وكذلك الحال في الأثاث و كذلك شأن المظهر فيعنى بالرجوع الناس إلى حقيقة الزهد و رضا القلب بما جاء من الله عزوجل مع انشغاله بطلب رضوان الله فرق كبير ، المشكلة مشتركة بين الواقع الذي يعيشه الناس و بين أحوالنا ، فنقص حقيقة المعرفة بالله و الفهم عن الله فينا .
ـ وإذا تعارض عمل المرأة مع تربية الأولاد ؟
ـ لا شك تربية الأبناء مقدّم ، الجزء المتعلق بمسؤولية المرأة من تربية الأولاد مقدّم على بقية الأمور والوظائف و الأعمال وكسب الرزق جزء متعلّق بمسؤولية الرجل ، ،.
و من السوء في كلّ مجتمع أن تشعر فيه المرأة أنّها ليست لها قيمة إلا إذا عملت خارج المنزل ، و هذا المرض جاءنا من بعض الدول التي ينظر اليها بأنها المتقدّمة ، ضحكوا على النساء في بداية الأمر و قالوا لهنّ : حرية و حقوق و ارتقاء و قيمة ، ثمّ سحبت قيمة المرأة من تحت رجليها ، أصبحت المرأة التي تعتني بتربية أبنائها و القيام ببيتها كما ينبغي لا قيمة لها .
ماذا تعملين ؟ مهندسة ، ما شاء الله . و أنت ؟ طبيبة ، ماشاء الله . و أنت ؟ مبرمجة حاسوب ، ماشاء الله . وأنت ؟ ربة منزل ، ربة منزل !!!
فتشعر أنّ لا قيمة لها . فإسقاط قيمة ربة المنزل كان سبباً لتفكيك الأسرة في الغرب و ضياعها ، لأنّ المرأة التي تشعر أنّه لا يحسب لها في ضمن قيمتها كما ترى : رحلة الموت التي تصنع الإنسان بالحمل و الولادة و التنشئة ، لا يحسب ضمن احترام المجتمع للمرأة ، إذن لا حاجة لها ألا تتعب نفسها ،فصارت الفردية القاتلة هي التي تغلب على ذلكم المجتمع في كثير من أبعاده ، و هذا لا ينبغي أن ينتقل إلينا ، الآن بدأت العدوى تنتقل ، و أصبح الكثير من أفراد المجتمع ينظرون إلى المرأة العاملة على أنّها شيء ن و المرأة العاملة في بيتها على أنّها لا شيء ، هذا خطير فهل هناك صناعة أفضل من صناعة الإنسان ؟ فالرجل يصنع في الحديد و في الخشب ، المرأة تصنع الإنسان ، و الله أعلم .
-إذاً الحد الفاصل الذي ينبغي أن تقف به المرأة عن العمل ؟
ـ الإضرار في دينها و مروءتها أو تضييع لأمانة أبنائها.
ـ
إذا كان الإنسان ذو مستوى معيشي عالي فهل يتطلب منه الزهد في الأثاث والملبس أم يجعل الزهد في قلبه فقط ؟
ـ الأصل هو زهد القلب ، و الكمال في أن يجمع الإنسان بين الزهدين لأنّه كان حال رسول الله صلى الله علي و سلّم ، ثمّ يرجع الأمر بعد ذلك إلى أحوال الناس ليختلف باختلاف أحوال الناس ، فمن الناس من ييسّر الله عزوجل له الإعراض الكلي فيجمع له بين الزهد الحسّي و المعنوي و هذا حال عالي ، و من الناس من يكرمه الله عزوجل بالزهد المعنوي مع توسّط في تنعّم في أمور الحياة ، و التوسّط هو دائماً مطلوب في أغلب الأحوال .
فالبذخ الزائد و التوسّع الزائد في الغالب لا تأتي منه منفعة ، و نوادر من الذين يثبتون على زهد القلب مع التوسّع الكبير في التنعّم في أمور الدنيا القلائل .
لكن يحذر الإنسان أن يكون من غير هذين النوعين ، و النوع الثالث هو الذي يتظاهر بصورة الزهد بقلّة الطعام و الشراب و الملبس مع وجود التفات قلبيّ قويّ للدنيا ، و علامة حصول هذه المسألة شدّة نقمته على من يتوسّط في التنعّم ، أو العكس أن يكون متوسّعاً في أمور الدنيا منغمساً في ملذّاتها إلى الحد الذي يفتقد فيه قوّة القدرة على تركه ، وقت الذي أصبحت تصطدم فيه مع صدقه في المعاملة مع لله عزوجل .
فإذن المسألة لا ينبغي أن يكون لها جواب عام يطبّق على جميع الناس ، فيختلف باختلاف أحوال الناس ، و لهذا جاءت الحاجة للشيخ المرشد للتوجيه .
ـ التوسط ما مقياسه ؟
ـ التوسّط أمر عرفي ونسبي ، التوسّط بالنسبة لإنسان نشأ في أسرة فاحشة الثّراء ، التوسّط بالنسبة لهم يختلف عمّن ينشأ في أسر فقيرة الحال .
فالتوسّط هو في ذاته نسبي ، و لذلك الفقهاء كانوا يقولون : مهر المثل أو لباس المثل لما ذكر الفقهاء الزكاة لذهب المرأة الخاص باستخدامه ، قالوا : مالم يزد عن لباس المثل أي طبقتها اذا المسألة تختلف باختلاف الناس .
و نوادر من يخرقون كلّ هذه الاعتبارات مهما كان الغِناء الذي هم فيه يعيشون في أعلى مراتب الزهد الحسيّة و المعنوية أمثال سيدنا عمر بن عبد العزيز ، لكن لا يطالب كلّ الناس أن يكونوا كذلك .
ـ ما هي أولويات الدعاة في عملهم الدعوي عموماً وما هي أولويات المرأة في عملها الدعوي خصوصاً ؟
ـ أولويات الدعاة : تنمية معنى الصدق في قلوبهم والرحمة بالناس مع مراعاة حقّ الوقت في مخاطبة الناس ، و الاعتناء بالأساسيات ممّا يجب تعلّمه من الدين و إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أحوال الناس .
أهمّ أولويات الدعاة فيما أعتقد : تحبيب الحقّ عزوجل إلى خلقه ، فالبعض يعتني فقط بمخاطبة الناس بالأعمال ، و هو أمر عظيم ومهم ، لكن أعتقد في زماننا هذا أحوج ما نكون إليه بالإضافة هو تحبيب الله عزوجل الى خلقه .
بالنسبة للمرأة الداعية إلى الله عزوجل من أهمّ أولوياتها : السعة في التخاطب مع مثيلاتها من النساء و التلطّف بهنّ و الرفق و الرحمة بهن , مع الترغيب و مراعاة المناسب للحال و ألا تجعل استقامتها في دعوتها لله عزوجل سيفاً على رقاب من لم يستقم من النساء لأنّ هذا من آفات النفوس في الدعوة إلى الله عزوجل .
و أعتقد أنّه من أعظم الأمور التي نحتاج إليها رجالاً و نساء في ميدان الدعوة : قوّة تعلّق القلب بمحبّة الحبيب صلّى الله عليه و سلّم , و ترغيب و تعليق قلوب الناس به صلّى الله عليه و آله و سلّم ، لأنّ الله قد جعله قدوةً في هذا الوجود فإذا تعلّقت قلوب الناس و أحبّت اقتدت ، ولا يوجد اقتداء أرقى من اقتداء المحب أما في حقّ ذات الداعي فالداعية إلى الله عزوجل ينبغي أن يعتني بالارتقاء بأخلاقه و تزكية نفسه و تصفية حاله ، و قطع علائق الالتفات إلى الخلق عن قلبه ، هذا المهمّ في ميدان الدعوة .
ـ فإذا وصل هذا الشعور من النشوة من امتداح الخلق إلى قلبه ؟
ـ عليه أن يتذكّر أنّ الذين مدحوه عليه هو ما ظهر لهم و ما خفي من عيوبه الأكثر والأكبر، و لولا ستر الله ما سلّم عليه أحد ، و عليه أن يتذكّر أنّ مدح الناس و ذمّ الناس لا يزيده و لا ينقصه شيئاً ولا ينفعه و لا يضرّه شيئاً ، عليه مخاطبة نفسه : لو أنّ العالم كلّه سجدوا لي و العياذ بالله ، هل سيزيدوني شيئاً عند الله و ينفعوني شيئاً بين يدي الله ؟فهذا الكلام يحتاج إلى عمل من الداعية إلى الله ، عليه أن يعمل على تهذيب نفسه على ذلك ، وقراءة سير القوم و معرفة أمراض القلوب .
-الآن صار يصنع برامج دعوية كثيرة ولا تنشر فهل تكون بذلك الدعوة مظلومة ؟
ـ أوّلاً : ينبغي أن يتوقع كلّ من يخدم الدين أنّ الاستجابة لن تكون سريعة و لا بالقدر الذي يقدره هو ، و في هذا ارتقاء له في خدمة الدعوة لئلا يعلّق آماله في حصول الثمرة على عمله.. فليتقن العمل و ينتظر الثمرة من الله و ليس من العمل .
ثانياً : عندنا إشكالية ضعف الأخذ بالأسباب في التخطيط و دراسة الشيء قبل عمله فقد يكون لا يحسن دراسة إتقان مستوى الشيء ، و إذا أحسن إتقان الجودة و المستوى ما درس كيفية تسويق هذا الفيلم مثلاً .
هذه أصبحت اليوم علوما و أسبابا يؤخذ بها , و الإتقان قد كُلّفنا به (إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) الحديث . و من الإتقان حسن التخطيط مع عدم الاعتماد على التخطيط ، فهناك شيئاً
من العشوائية في الأعمال الدعوية الفنيّة و غيرها يحتاج إلى شيء من التنسيق و الدراسة .
ـ ما هي مفاتيح حل مشكلات المسلمين عموماً ؟
ـ سؤال كبير ... لا يجاب عنه في لقاء صحفي و لكن يمكن أن يوجز في نقطتين ، تحت هاتين النقطتين مجلّدات تكتب و جهود تبذل و همم تنتهض .
النقطة الأولى : العمل على إصلاح القلوب لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم لمّا وصف واقع الأمة اليوم في حديث ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم ) ذكر في آخر الحديث العلّة فقال : ( يلقي في قلوبكم الوهم حبّ الدنيا و كراهة الموت ) فهذان المرضان من أمراض القلب، فجعل المصطفى صلى الله عليه و سلّم الإشكالية في آخر زمن مرض قلبي و ليس غيره ، فإصلاح القلوب أولاً .
النقطة الثانية : بما أنّ السائلات من الدعاة ومن المشتغلات بالدعوة إلى الله في مجال النشر و إطار من هذا النوع ، إصلاح طريقة الخطاب الإسلامي وهذا يتطلب عملا كثيرا .
صلاح الدعاة و العلماء في أنفسهم و في صلاتهم لبعضهم البعض ، في صلتهم بمجتمعاتهم المحيطة عليه معوّل كبير في صلاح الأمة .
جاء في حديث ضعيف تصلح روايته في مثل هذا المعرض : ( صنفان من الناس ,إذا صلحا صلح الناس ، و إذا فسدا فسد الناس : العلماء و الأمراء . )
الأول : صلاح القلوب ، الثاني : صلاح بيت الخطاب الإسلامي .
ـ هل الطريق إلى الله صعب أم طويل ؟
ـ الطريق إلى الله يسير قريب إذا صحّت الوجهة إليه و صدقت النية و حصل الإلحاح على الله ، و صعب ممكن تجاوزه و طويل يمكن طيّه ، و أمراض أنفسنا هي التي تصعبه و تطيله ، أمّا هو في ذاته { و إذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب }
و كما ذكر سيدنا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي البارحة في الدرس عندما شرّفنا و أكرمنا بحضور درس أيّها المريد في الأموي ، ذكر عبارة للإمام الكبير أحمد الرفاعي رحمه الله : الطريق إلى الله خطوتان : الأولى : أن تضع قدمك على عنقك ، و الثانية : تصل بها إلى الله ، فهذا معناه عميق .
ـ نحن كفتيات نعلم شجون الفتيات كيف نستطيع بالحكمة والموعظة الحسنة تحصين الفتاة المسلمة من دعوة الحب والعشق والغرام ؟
ـ بارك الله فيك وفتح عليك ... أن تعلقيها بحقيقة الحب و العشق و الغرام ، الحب و العشق و الغرام شيء راقي ، و ما جعله الله أخاذا للقلوب إلا ليأخذ القلوب إليه .
فإذا شغلت الفتيات المسلمات من حولك و من يعمل في ميدان الدعوة معهنّ بحقيقة الحبّ و الغرام و العشق و صرفها إلى الله و رسوله ، لرأيت كيف تفعل فيهن فعل أعظم مثل فعل السحر و أرقى و أقوى و أكبر في حملهنّ إلى الله عزوجل .
فلا ينبغي أن تكون دعوتنا و مخاطبتنا لهنّ برفض أصل الشيء الذي أصله حسن ، حتّى نعالج الانحراف الذي حصل للشيء عن أصله و نؤكد صحة الأصل و نعالج الانحراف ، هذه واحدة .
ثانياً :الفتيات بحاجة إلى رحمة و إشفاق كبير و حنان من أخواتهنّ الملتزمات .
كلّما أشعرتها بحقيقة المحبة الصادقة لها والرحمة بها و إرادة الخير لها و الحرص عليها ، وخفّفت من الملاحقة الشديدة و التضييق عليها و ألا تحمليها على السير بنفس الهمّة التي أنت عليها فتراعي همتها : سيروا بسير ضعفائكم سترين من ذلك فتحاً كبيراً.
فالفتاة ، العاطفة مؤثرة فيها ، فإذا صرفت العاطفة و الوجهة القلبية إلى الأعلى رفعتها إلى الأعلى .
ـ نحن إذا بلغنا ما وصلوا إليه في العراق من فتن طائفية فأين نقف ؟
ـ دعوها فإنها منتنة ، إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار . الذي نسمعه يحتاج إلى شيء كثير من التثبّت ، فإنّ الذي يمارس من قبل متطرّفي الشيعة يمارس من قبل متطرّفي المنتسبين إلى السنّة، مثل التفجيرات في كربلاء و غيرها و ردّة الفعل أو الاعتداءات التي تصدر عن متطرّفي الشيعة .
وفي الحقيقة ليست المشكلة مشكلة سنّة و شيعة ، هذا أمر مهمّ جدّا لطلبة العلم فليركّزوا عليه و ينبّهوا الناس إليه ، لا توجد مشكلة طائفية حقيقية فيما يحصل من قتل و إراقة دماء ولكن هناك اعتبارات سياسية أقحمت الطائفية على هذا الأمر .
فهي سياسات ، المقصود منها : تصعيد النعرة التي إذا تصعّدت حصلت الفتن . لمّا صاحوا يا للمهاجرين و ياللأنصار ، أو صاحوا يا للأوس و ياللخزرج ، قال رسول الله : دعوها فإنّها منتنة ، لم يعد يقبل مناقشة من الذي أخطأ في البداية ؟ من الذي أساء ؟
فموقفنا أن لا نقبل أن يكون ديننا لعبة في أيدي السياسيين و ما يريدونه .
الشيعة أكثر من سبعمائة سنة ـ ثمانمائة سنة في العراق يعايشون السنة و ما حصل شيء من ذلك ، لماذا ؟
في عصور مختلفة ما حصلت مثل هذه المعارك ، فلماذا الآن حصلت بعد مئات السنين ؟
الشيعة و السنّة متصاهرون و متقاربون ، تجدون في قبيلة الكبيسي وقبائل شمر على سبيل المثال فخيذة سنية وفخيدة شيعية فكيف تحوّل هذا إلى صراع ؟
النعرة التي تثار من خلال السياسة .
هؤلاء يأتون بأفكار ثورية معينة باسم التشيّع و هؤلاء يأتون بأفكار تكفيرية باسم السنّة .
و التكفيريون و الثوريون باسم السنّة و باسم الشيعة هم أصحاب المشكلة , فلا ينبغي أن نقبل هذا .
و أنا قلق لما أسمعه في لبنان من ارتفاع هذه النبرة ، هذا خطير ، لا توجد مشكلة سنية شيعية في لبنان ، لا توجد مشكلة سنّية شيعية في العراق ، كذلك في سوريا ، لا توجد مشكلة سنّية شيعية في باكستان ، هي مجموعة متطرّفين من الطرفين وجدوا من يدفع بهم من الساسة ليستثمروا ذلك .
المحتل في البداية كان متورّطاً في العراق أمام المقاومة , لكن لمّا نجحوا في تأجيج هذه الفتنة بين السنّة و الشيعة و تحرّك المتطرّفون من الطرفين تنفس المحتل الصعداء , فلننتبه .
ـ هل تعتقد أن هذا زمان المهدي المنتظر ؟
ـ لا شك أنّنا نؤمن بسيدنا المهدي المنتظر عليه السلام ، جعلنا الله من جنوده إن كنّا في وإن لم يكتب الله لنا إدراكه أن يجعلنا من الممهّدين له .
و لكن القضية أكبر من قضية هل هو زمان المهدي أو ليس بزمان المهدي ، الزمان زمانك أنت ليس بزمان المهدي ، و أنت مكلّفة بالعمل لله و ليس لسيدنا المهدي ، فإن أكرمك الله و المعنى المقصود من المهدي و كنت تعملين لله فتكونين من جنده ،و إن أدركت عصر المهدي و ما كنت تعيشين معنى العمل لله لن تكوني من جنده ، فالقضية قضية أن نعمل لربّ المهدي و ليس للمهدي .
كان شيخنا الحبيب عمر قد سمع كثرة كلام من بعض الطلاب حول المهدي ، و لمّا أكثروا من الكلام جمعهم فقال لهم : لو قلت لكم إن المهدي سيخرج خلال شهر أو شهرين ، فضجّ الطلبة ، قال لهم : على رسلكم ، ماذا ستفعلون ؟ قالوا : نستعدّ و نتجهّز ونتدرب على السلاح ، قال لهم : كيف ؟ قالوا : نتدرّب على السلاح ، قال : هذا سهل ، لكن جاء في الروايات التي تخبر عن المهدي في آخر الزمان : أنّ جنود المهدي بالتكبير يهدمون الأسوار ، أي لهم أحوال مع الله ، إذا ذكروا الله تحرّكت لهم الجمادات . و أمسك منديل و قال : إن كبّرنا جميعاً ما حرّكنا هذا المنديل .
قضية المهدي ليست قضية توقيت و لا أين يوجد ؟ القضية كما قلت لكم أكبر من قضية هل هو زمان المهدي أم لا ؟ هذا الزمان زمانك أنت و حالك مع الله حالك أنت ، و هكذا .
ـ حاولنا كثيراً أن نرى رسول الله في المنام وما نجحنا فماذا نفعل ؟
ـ أربع خطوات : الإكثار من الصلاة عليه ،التعلق بحضرته ، التعظيم لسنّته ، الخدمة لأمته .
- بارك الله فيكنّ و جزاكنَّ الله خيراً .